محمد طاهر الكردي
443
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
يسأل السائب بن يزيد فقال السائب : سمعت العلاء بن الحضرمي يقول : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « ثلاث ليال يمكثهن المهاجر بمكة بعد الصّدر » . وحدثنا إسحاق بن إبراهيم : أخبرنا عبد الرزاق ، أخبرنا ابن جريج وأملاه علينا إملاء ، أخبرني إسماعيل بن محمد بن سعد ، أن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أخبره أن السائب بن يزيد ، أخبره أن العلاء بن الحضرمي ، أخبره عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « مكث المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاث » . انتهى من صحيح مسلم . وجاء في صحيح البخاري في باب الإسراء : حدثني إبراهيم بن حمزة ، حدثنا حاتم عن عبد الرحمن بن حميد الزهري قال : سمعت عمر بن عبد العزيز يسأل السائب بن أخت النمر : ما سمعت في سكنى مكة ؟ قال : سمعت العلاء بن الحضرمي ، قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ثلاث للمهاجر بعد الصدر » . انتهى من البخاري . جاء في فتح الباري لابن حجر عند هذا الحديث المروي في البخاري ما نصه : « قوله : بعد الصّدر » بفتح المهملتين ، أي بعد الرجوع من منى . وفقه هذا الحديث أن الإقامة بمكة كانت حراما على من هاجر منها قبل الفتح ، لكن أبيح لمن قصدها منهم بحج أو عمرة أن يقيم بعد قضاء نسكه ثلاثة أيام لا يزيد عليها ، ولهذا رثى النبي ، صلى اللّه عليه وسلم ، لسعد بن خولة أن مات بمكة . ويستنبط من ذلك ، أن إقامة ثلاثة لا تخرج صاحبها عن حكم المسافر ، وفي كلام الداودي اختصاص ذلك بالمهاجرين الأولين ، ولا معنى لتقييده بالأولين ، قال النووي : معنى هذا الحديث : أن الذين هاجروا يحرم عليهم استيطان مكة ، وحكى عياض أنه قول الجمهور قال : وأجازه لهم جماعة ، يعني بعد الفتح ، فحملوا هذا القول على الزمن الذي كانت الهجرة المذكورة واجبة فيه ، قال : واتفق الجميع على أن الهجرة قبل الفتح كانت واجبة عليهم ، وأن سكنى المدينة كان واجبا لنصرة النبي صلى اللّه عليه وسلم ومواساته بالنفس ، وأما غير المهاجرين فيجوز له سكنى أي بلد أراد سواء مكة وغيرها بالاتفاق ، انتهى كلام القاضي ، ويستثنى من ذلك من أذن له النبي صلى اللّه عليه وسلم بالإقامة في غير المدينة ، واستدل بهذا الحديث على أن طواف الوداع عبادة مستقلة ليست من مناسك الحج ، وهو أصح الوجهين في المذهب لقوله في هذا الحديث : بعد قضاء نسكه لأن طواف الوداع لا إقامة بعده ، ومتى أقام بعده خرج عن كونه طواف